المخدرات واضرارها


    قصص مجمني مخدرات

    شاطر

    Admin
    Admin

    المساهمات : 18
    تاريخ التسجيل : 08/10/2009

    قصص مجمني مخدرات

    مُساهمة  Admin في الخميس أكتوبر 08, 2009 9:14 am

    القصة الاولي
    بأي ذنب قتلت

    عالم المخدرات عالم عجيب .. مليء بالأحداث والمواقف المؤثرة التي يعجز عن وصفها لسان أو قلم .
    هذه صفحة من صفحات هذا العالم .. تحكي قصة معاناة عاشتها أسرة بريئة ابتليت بأبٍ ظالم .. قد شُغف قلبه بالمتاجرة في المخدرات ، وثقل سمعه عن آهات البنين والبنات .
    في يومٍ من الأيام ، إبّان عملي في إحدى إدارات مكافحة المخدرات ، كلفت بالقبض على أحد مروجي المخـــدرات الذين - مع كل أسف - تلاعبت بهم شياطين الإنس والجن ، واتخذت منهم معاول هدم في كيان هذا البلد الطاهر .
    يمر شريط أحداث القضية بسرعة .. يتم اتخاذ الإجراءات التحضيرية للإطاحة بالهدف ، ومن ثم تحديد ساعة الصفر لتنفيذ المهمة .. وبتوفيق من الله تعالى يتم القبض على هذا الرجل متلبساً بترويج كمية من الحبوب المخدرة .
    لم ينته مسلسل الأحداث .. بل بقي فيه لحظات لا تنسى .
    لقد ثبت أن هذا الرجل يتخذ منزلـه موقعاً لإخفاء المخدرات التي يقوم بترويجها وتعاطيها .. كان هذا الموقف يستلزم ضرورةً ضبط هذه الكمية وفق الإجراءات الأمنية المتبعة حمايةً للمجتمع من خطر هذه السموم القاتلة .
    تقوم الفرقة بالانتقال مع المتهم إلى منـزلـه .. بالوصول إلى المنزل يترجل الجميع وقوفاً أمام باب المنـزل وقد نصب الصمت أطنابه على أفواههم ، وكأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة .. يتقدم المتهم نحو منزلـه .. يطرق الباب ، فتنطلق على الفور نبراتٌ من الفـــرح والسرور تملأ أفواه مجموعة من البراعــم الأبرياء وراء الباب : هيــه .. جا بابا .. جا بابا ، بينما تداعب إحدى الصغيرات أباها بكل رقة وحنان : بابا لن أفتح لك الباب .. وتالله ما علمت المسكينة ما الذي يكمن وراء الباب .
    أما المشهد في الخارج، فألم وحزن يخيم على وجوه الحاضرين .. يتبادلون نظرات الأسى .. بينما أرخى بعضهم لرؤوسهم العنــــــان وهم يهزونها يميناً وشمالاً حتى اتكأت على صدورهم من شدة الموقف .
    لم تمض سوى لحظات حتى فتح الأطفال الباب ، وفي مخيلتهم ذلك الأب الحبيب الذي ربما يحمل في يديه لعبة ، أو حلوى .. أو على الأقل يحمل على وجهه ابتسامة مشرقة .. لكنهم يفاجئون به مجرمًا محاطاً برجال الأمن ، فتنقلب النبرات إلى آهات .. والأفراح إلى أتراح .. والآمال إلى آلام ، فلو رأيتهــم وهذا يحتضن رجل أبيه .. وهذه تتعلق بثيابه .. وأخرى في عمر الزهور تحدق بعينيها عاجزة عن تفسير الحدث .
    أقول : لو رأيتهم لبكيت بكاءً جماً .. ولتفطر قلبك ألماً .
    بعد هذا المشهد المؤلم يؤدي رجال الأمن واجبهم في مشهد آخر من مشاهد الألم والشقاء ، تمثّله صورة شاحبة لبيت البؤس الذي تستظل به هذه الأسرة .. تدخل غرفة الجلوس فلا ترى إلا أثاثاً متهالكاً ، وفرشاً مبعثرة .. أما غرفة الطعام فمسرح للقذى ومرتع للأوساخ .. وأما المؤنة وما أدراك ما المؤنة فما هي إلا بقايا من الحبوب والمعلبات المعدودة .. لا تكاد تسمن ولا تغني من جوع .
    ضَنْك في المعيشة .. وشَظَف في الحياة .. ومع هذا .. فالأب غارق في غفلته .. متمادٍ في إهماله لأسرته .
    وفي نهاية المشهد يتم العثور على كمية من المخدرات في المنزل .. ثم يغلق الستار بمغادرة المنزل وسط عاصفة مدوية من بكاء الأبرياء الذين وقفوا على باب المنزل ..يودّعون إنساناً كانوا يتربون في كنفه .. ويتراكضون إلى حضنه .. يقال له : ( بـابا ) .
    في خضم ذلكم المشهد المؤلم عصفت بي مشاعرٌ من الأسى تجاه هذا المجرم : أما تخاف الله ؟ ألم تفكر في هذا المصير؟ أهكذا يرعى الأب فلذات كبده ؟ ما ذنب هؤلاء الأبرياء في هذه المأساة؟ وما جريرتهم في تحمل المعاناة ؟ .
    تقدمت إليه وجهاً لوجه ، سألته لعلي أجد جواباً .. لكنه لم ينبس ببنت شفة عدا كلمتين .. قال : أنا السبب ، ثم انهمك في بكاءٍ حار .. وقد قلت على لسانه :


    إليكم ســـادة الــفـكــرِ
    جـرت فيـهـا دمـوع الــحــز
    بـقـلـبـي لــوعــة الأسْــرِ
    فيا حـزني عـلى التــفـــريــ
    فـكـم مـن حــبـةٍ أضـحــت
    وكــم سـيــجــارةٍ أذكــت
    فـأكبــو حـيــن أشــربـهــا
    وعـقلـي صـار بالـتــخــديــ
    فـــلا ألــوي عـلى أحــــدٍ
    تـُراع بُـنـيـّتـي الــعـبــرى
    أبـي .. بـل لـست أنـت أبـــي
    أبـي قــد كــان يـغــمـرنـي
    يـداعبـنـي فـأسـعـد حــيــ
    وأنــت الـيـوم تــغـتـال الــ
    فــأضحــت كـل آمـــالــي
    أقـــاســي الــجــوع و الآلا
    لـهـيب الــيتـم يـحـرقـنــي
    أبــي تـب قــبـل أن تـُـنـعَـى
    وتلــقـى بــعـدهــا أهـــوا
    إذا ما قــمــت لـلــرحــمـ
    فـيا أبـتــاه هـل مــن تـــو
    تـهـاجر من بــقاع الــخِـــدْ
    مــعـاناتـي مـــع الــخِــدْرِ
    ن بـين الـسـطــر والســطــرِ
    ومـوتٌ يــقـتـفــي أثـــري
    ـط فــيـما ضاع مـن عــمـري
    بـها الأمـراض تـسـتـــشــري
    بـأحشائـي لــظـى الــجــمـرِ
    وأشـعـــر أنـنـــي أجـــري
    ـر بــين الــمـد والــجــزرِ
    يـعـاتـبنـي مـن الــبــشــرِ
    فـتـقضي الـليــل فــي ذعــرِ
    فأنــت الـخِــبُّ ذو الــغــدرِ
    بــفـيض الـحــب والـطـهــرِ
    ـن يـبــدو بــاسم الـثــغــرِ
    ـفضـيـلـة فـي ربــى صــدري
    سرابــاً فــي ثـرى الــفــقـرِ
    م مـن عــســرٍ إلـى عــســرِ
    و حــيٌّ أنــت ، لا تــــدري
    وتـوْسـد ظــلـمـة الــقــبـرِ
    ل يـوم الـبـعــث والــنــشـرِ
    ـن قــد أُثـقـلـت بـالـــوزرِ
    بـةٍ تـنــهـي بــها قــهــري
    ر لـلــقــرآن والــذكـــرِ .


    وفي نهاية المطاف يجرى التحقيق مع المتهم .. ويقدم للعدالة لينال جزاءه الرادع ، والذي يمثل في حقيقته إصلاحاً وعلاجاً لنفسه المريضة .. وصيانةً لأسرته وللمجتمع بأكمله .. و حفاظاً على قـيم هذا البلد وأخلاقـه من أن تمسها أيدي السفهاء العابثين .. حمى الله بلاد التوحيد من كل شيطان مريد .

    Admin
    Admin

    المساهمات : 18
    تاريخ التسجيل : 08/10/2009

    رد: قصص مجمني مخدرات

    مُساهمة  Admin في الخميس أكتوبر 08, 2009 9:16 am

    القصة الثانية
    مدمن في حاوية النفايات
    أحد الناجين من جحيم الإدمان .. له قصة عمر طويلة .. مليئة بالمآسي والعبر .
    يحدثنا عن نفسه فيقول :
    قبل عشرين عاماً بدأت معاناتي على مقاعد الدراسة .
    والدي رجل صارم جداً .. ولأنه يشعر بتدني مستواي الدراسي فقد كان يهددني بالعقوبة الشديدة في حال فشلي في الدراسة .
    وهل لكم أن تتصوروا هذه العقوبة ؟
    إنها بكل بساطة .. التعليق في السقف !!! .
    مضت الأيام .. وحدث ما كنت أخشاه ، إذ أخفقت في بعض المواد الدراسية .
    لم أكن أحمل هم الإخفاق ، بقدر ما كنت أحمل هم العقوبة التي تنتظرني في البيت .
    خرجت من المدرسة .. وقد أظلمت الدنيا في عيني .. وضاقت الحياة أمام وجهي .. ركبت مع أحد زملائي على سيارته .. سألني :
    - ما الذي يحزنك ؟
    - لقد أخفقت في الدراسة .
    - وماذا في ذلك .. هل انقلبت الدنيا على رأسها ؟
    - لا .. لكنك لا تدري ما الذي ينتظرني في البيت .. لقد هددني أبي بأن يعلقني في السقف إن أخفقت .
    - لا تهتم ( وهو يخرج من جيبه شيئاً ) .. خـــــذ .
    - ما هذا ؟
    - لاتخف .. هذه الحبة ستنسيك همومك .
    تناولت الحبة .. والتهمتها في الحال .. فانقلب رأسي على عقــبي .. شعرت بأني أدور في دوامة غريبة .
    قلت - وأنا في حيرة من أمري - : ( أيش السالفة ؟) .
    قال – وهو يضحك - : هذا شيء طبيعي لأنها أول مرة .. لكن مع التعود ستشعر بالراحة والسعادة .
    عدت إلى البيت .. وكان الموعد مع التعليق الساخن .
    مضت الأيام .. وحرارة التعليق تخبو شيئاً فشيئاً حتى نسيته تماماً.
    لكن تعليقاً آخر بدأ يتغلغل في قلبي ، حتى اشتعلت ناره .. واستعر أواره .
    مع كل أسف .. تعلقت حبة قلبي بالحبة المخدرة .
    وما هي إلا أيام معدودة ، وانقطعت آمالي .. واضمحلت أحلامي .. وخسرت نفسي .. ونسيت أهلي .
    خرجت من المدرسة إلى ظلمات التيه أبحث عن السعادة الموهومة .
    هاأنذا - في مشهد من مشاهد الانتحار - أحتسي السم الأبيض ( الهيروين ) وكأنه سلاح أبيض ، أطعن به قلبي الأسود .. ولكن ما لجرح بميت إيلام .
    أظلمت وجوه الناس في عيني .. وكشرت الدنيا عن أنيابها في وجهي .. فلم أجد سبيلاً إلا الهروب من نفسي التي تطاردني .
    وسافرت إلى الهند .. وإذا بدنياي البائسة - هي هي - تماماً كما لو أني لم أسافر .
    وفي أحد شوارع الهند كنت أجلس مع ثلة من المدمنين .. وقد استنفد الهيروين كل ما أملك من النقود .
    أتضور جوعاً .. أطلب شيئاً أسد به رمقي .. إذ أقبل أحد الهنود من رأس الشارع ، وبيده قطعة من الخبز .. وما إن دنا مني حتى ألقى ما تبقى من الخبزة على الرصيف .
    قلت في نفسي : الحمد لله جاء الفرج .. لكني ترددت .. أأمد يدي ؟
    أقلب طرفي .. وإذا أنا محاصر بنظرات الناس من حولي .. ولكن ماذا أفعل ولهيب الجوع يضطرم في أحشائي ؟!! .
    انتظرت هنيهة ، وأنا أرمق الخبزة عن كثب .. أكاد ألتهمها بعيني الجاحظتين .. حتى حانت لحظة غفلة من الناس ، فانسللت إليها منتهزاً الفرصة .
    وفي هذه اللحظة كان جائع آخر قد بلغ منه الجوع ما بلغ مني .. فما إن رأى الوجبة حتى أسرع إليها ، وخطفها ، ثم انطلق بها عدواً بين المارة .
    لم أتمالك نفسي فأطلقت ساقَيّ وراءه .. فما هو إلا أن رآني حتى زاد في سرعته .. وذيله القصير يضطرب وراءه .
    انتبه الناس للمشهد الغريب .. كلب صغير يعدو .. ورجل مسعور يعدو خلفه .
    لم أستطع مواصلة السباق .. فأهل المخدرات كما تعرفون من أفشل الرياضيين مهما عظمت أجسادهم .. فعدت أدراجي ، أجر أذيال الهزيمة .
    إنني الآن .. كلما أتذكر ذلك الموقف أشعر بالأسى والحزن .. كيف يرضى العاقل لنفسه هذه المنزلة من الذل والمهانة .. لكن عين الهوى عمياء .
    وبعد أيام مريرة .. استطعت بشق الأنفس أن أعود إلى البلاد .
    وبعد عودتي .. كنت اجتمع بزمرة من المدمنين في إحدى الشقق المشبوهة .
    إبر الهيروين السامة بين أيدينا .. نطعن بها كل معنى جميل في ذواتنا .. وما هي إلا لحظات حتى نكون في عداد الموتى .. خشب مسندة .. حيوانات في صور بشر .
    وفي رمضان الكريم !! كانت إحدى الجلسات الخبيثة .. تناولت إبرة الهروين ، وطعنت بها جسدي .. فخررت مغشياً علي .. أسبح في عالم آخر .
    نظر رفاقي إلي ، فأسقط في أيديهم .. حركوا أعضائي المتشنجة فلم يجدوا حراكاً .. علموا أنه الموت لا محالة .
    وتنازعوا أمرهم بينهم .. وأسروا النجوى : يالها من ورطة‍ !! ماذا نفعل ؟
    فكّروا بغير عقولهم .. وبعد عدة مداولات أجمعت هيئة العقول المدمنة على التخلص منى بطريقة دبلوماسية .
    وبدأت الإجراءات بتفتيش الجثة .. فانتزعوا من جيبي ما بقي من الهيروين ، وصادروه لصالح الشقة - ويالها من غنيمة باردة - .. ثم حملوا الفارس على أعناقهم إلى أرض الله الواسعة .
    وفي الشارع .. نظروا ذات اليمين وذات الشمال .. بحثوا عن مكان يليق بشخصي الكريم .. وإذا بحاوية كبيرة للنفايات على جانب الطريق .
    أنزلوني فيها بكل رقة وحنان.. ودفنوني بلا غسل ولا أكفان .. ثم ودعوني ، وعادوا إلى ما كانوا عليه ، وكأن شيئاً لم يحدث .
    مكثت في قبري ما شاء الله أن أمكث ، ثم أفقت .. فتحت عيني وإذا أنا مسجّى في هذا المكان الغريب .. سألت نفسي : أين أنا ؟ ما الذي حدث ؟
    وسرعان ما أتتني الإجابة في بقايا الأطباق الرمضانية التي تنهال على رأسي مع كومة النفايات .. بين الشوربة .. والمقليات .. والعصائر .. والحلويات .
    حاولت أن أنوء بحملي الثقيل ، وأخرج من هذا الركام .. ولكن دون جدوى .. فقد هدّ الهيروين قوتي ، وشلّ أركاني ، فلم يبق لي إلا التفاتة ، أقي بها وجهي شظايا الركام الذي ينهال على رأسي بين الفينة والأخرى .
    وبعد جولات من المصارعة المريرة دامت قرابة العشر ساعات .. استطعت التغلب على نفسي .. وخرجت من عنق الزجاجة .
    لقد خرجت إلى الحياة من جديد .. ومع هذا فقد كان همي الأكبر في أمر هو أعظم عندي من الحياة .. أضع يدي بسرعة على جيبي .. أين الهيروين ؟
    أهرول مسرعاً إلى رفاقي .. أطرق الباب .. فما هو إلا أن فتحوا الباب ونظروا إلي حتى انتقعت وجوههم .. وارتعدت فرائصهم .. من هول المطلع .
    - سلامات .. سلامات .. كنا نظن أنك ميت !!!
    لم أرد عليهم .. بل بادرتهم بالسؤال :
    - من الذي أخذ الهيروين الذي كان في جيبي ؟
    - موجود معنا .
    - لماذا أخذتموه من جيبي ؟
    - كنا نظن أنك ميت فأخذنا .
    - أعيدوه لي فوراً ؟
    - ها هو .. خذ .
    إنها صفحات سوداء من سجل حياتي ..سوّد أوراقها إخوة الهيروين الذين سرعان ما تنقلب صداقتهم إلى عداوة ..ومودتهم إلى بغض وكراهية .. وما أكثر المغرورين .
    ومع الهيروين .. غاب عن حياتي كل معنى جميل .. واضمحل في نفسي كل خلق نبيل .
    ألهث يوماً وراء المال .. أفتش في جيبي فلا أجد سوى نفسي الحقيرة التي لم تعد تساوي شيئاً .
    ولما أعيتني الحيلة .. خرجت إلى الشارع .. إلى أين ؟
    إلى منزل جارنا .. أطرق الباب .. فيخرج من منزله .
    - السلام عليكم يا أبا فلان .
    - وعليكم السلام .
    - إذا سمحت .. عندي بعض زملائي في المجلس ، ونريد أن نشاهد المباراة .. لكن المشكلة أن أهلي يتابعون المسلسل على القناة الأخرى .. فهل يمكن أن تعيرني جهاز التلفاز إلى أن تنتهي المباراة ؟ .
    امتعظ قليلاً ، لكنه لم يجد مفراً من أن يلبي طلبي ، ولو على سبيل المجاملة .. دخل المنزل .. ثم خرج بعد برهة وهو يحمل بين يديه التلفاز .. أخذته منه ووضعته في مؤخرة السيارة ( الونيت ) .. وعلى الهواء مباشرة انطلقت به إلى سوق ( الحراج ) لأبيعه بثمن بـخْس .. لمخدرٍ نـجِس .. في يومٍ نـحِس .
    افتضح أمري .. فاستوحش الناس من جانبي .. وانفضوا من حولي .
    لم يبق في حياتي أي معنى للحياة .
    أسير وأسير ، لكنني أسير .. أرى من حولي أشباحاً ، لكنني ضرير .
    لم أعد أرى بعيني إلا الظلام .. ولم يبق في قلبي سوى الأوهام .
    ومع ظلمة الليل الغاسق .. لاحت بوارق الفجر الصادق .. فكان من لطف ربي أن فتح لي باب العلاج بعد أن بلغ بي الإدمان منتهاه .. انبعثت في قلبي الضعيف قوة عظيمة .. تدفعني إلى مواصلة العلاج بإصرار وعزيمة .
    وكان مما يحضني على الاستمرار ، ما تشهده حالتي النفسية من استقرار .
    وبدأت أبصر من جديد ، شيئاً فشيئاً .. لقد وجدت نفسي .. وأنبت إلى ربي .
    أعود إلى الحارة وإذا بصوت الحق ينادي : حي على الصلاة .
    فأقول : لبيك وسعديك .. عبدك المذنب عائد إليك .. منكسر بين يديك .. لا ملجأ من جحيم الإدمان إلا إليك .
    أدخل المسجد .. أرفع يدي لله ، مستقبلاً حياة الإيمان .. مستدبراً شقاء الإدمان .
    وفي هذه الأثناء .. يبصرني أحد الجيران ممن سبرني وخبرني فيما مضى من أيامي .. فينطلق إلى الجيران ويقول : احذروا !! لقد دخل المدمن المسجد .. وما أظن إلا أنه سيسرق من المسجد شيئاً .. إما سجاداً ، وإما مكيفات !!!
    لا أدري .. أأضحك أم أبكي ؟ فسبحان من أضحك وأبكى .
    في الحقيقة .. لم أكن لأحفل بما يقول لثقتي بنفسي .. ولا ألومه .. فكم تجرع الجيران غصصاً بسبب إدماني على المخدرات.
    مضت الأيام .. وعلم الناس صدق إنابتي وصحة توبتي ثم التحقت بدورة علمية متخصصة في أمريكا .
    بقي أن تعرفوا ما هي هذه الدورة .
    إنها بكل فخر واعتزاز : ( دبلوم عالي في مكافحة الإدمان وإرشاد المدمنين ) .
    نعم لقد انعكست الآية .. وانحرفت زاوية الأحداث مائة وثمانين درجة كما يقال : فبالأمس كنت أسيراً للإدمان .. وأنا اليوم مجاهد في وجه الإدمان .. آخذ بأيدي المدمنين إلى بر الأمان .. لعلي أكفر ما سلف من العصيان .
    أصرخ في آذانهم : أي إخواني .. ارجعوا وراءكم واسلكوا طريقاً آخر .
    أي إخواني .. لقد سرت في هذا الطريق وتجرعت غصصه وآلامه ، حتى وقفت في نهايته على شفير هاوية سحيقة ، كادت رجلاي أن تزل فيها .
    ولولا لطف الله ورحمته لهلكت غير مأسوف عليّ .
    أي إخواني .. ها أنذا أعود إليكم .. لأخبركم بما أمامكم .
    فلا تهلكوا أنفسكم بأنفسكم .. ولا تدمروا بيوتكم بأيديكم .. ولا تحطموا مستقبلكم بحاضركم .. فإني والله لكم من الناصحين .

    Admin
    Admin

    المساهمات : 18
    تاريخ التسجيل : 08/10/2009

    رد: قصص مجمني مخدرات

    مُساهمة  Admin في الخميس أكتوبر 08, 2009 9:17 am

    القصة الثالثة
    مدمن يقود سيارته
    يطوي الأرض بسيارته ، كما يطوي الحشيش القاتل بأصابع يده .
    الأرض تشكو من جرأته على نفسه وعلى حياة الآخرين .. لم يطل به الوقت حتى وقع سريعاً في قبضة رجال الأمن .
    ذلكم هو بطل قصتنا ..
    من المفارقات العجيبة أنكم لو رأيتم هيئة هذا الشاب لرأيتم فيه شاباً هادئاً ، فيه بقايا من الخلق والأدب .. والأهم من هذا أنه ينتمي إلى أسرة محافظة يكاد أن يكون عنصراً شاذاً بين أفرادها ، أو هو كذلك .
    رأيت في عينيه علامات الندم .. كان هذا يدفعني إلى معاتبته على تعاطيه المخدرات فلعلّ العتاب يدله على الصواب .
    حدّثته عن الاستقامة والتوبة ، قاطعني بقوله : لا تكثر عليّ فلقد عرفت درب الاستقامة في أيام خلت ، وعشت أيامه الجميلة ، وإني الآن أحمد الله على أن أيقظني من الغفلة .
    ثم قال : أتريد أن تعرف قصة حياتي ؟
    عجبت كثيراً من مبادرته بهذا الكلام دون أن أسأله .. تحفزت لسماع قصته وقلت : تفضل .
    قال : نشأت في أحضان عائلة محافظة .. تقوم على الفضيلة والتقى .
    لم أكن أعرف خبائث الأمور ،بل ولا سفاسفها .. لا زلت أتذكر أحد أخوالي وهو يصحبني معه وأنا في سن المراهقة إلى حلق القرآن ومجامع الخير .
    مضت الأيام ويشاء الله أن ألتقي بمجموعة من شباب الحي .. وحينئذ بدأت معهم أولى خطوات الانحراف .. كان أول وأعظم تحول في مسار حياتي أني بدأت أتهاون في أداء الصلاة حتى تركتها بالكلية .. ثم تعلمت شرب الدخان الذي لم أكن أعرفه طيلة حياتي ، وما هي إلا أيام حتى تمكن الدخان مني ، فأصبحت أسيراً للسيجارة الخبيثة .
    وتمضي الأيام فأتقدم إلى إحدى الوظائف فيصدر تعييني في مدينة أخرى .
    عشت في الغربة أياماً مريرة .. وحيداً بعيداً عن أهلي وبلدتي التي قضيت بها أحلى أيام الطفولة .. وزادني غماً إلى غم أنه وقعت لي ألوان من الضغط النفسي في عملي الجديد .
    وفي يوم من الأيام خرجت من العمل وأنا في حالة نفسية سيئة ، وكان معي في السيارة أحد زملاء العمل .. سألني عن سبب القلق الذي أعيشه .
    بدأت أذكر لـه ظروفي القاسية .. وبينما كنت أتحدث إليه وأعبر عن أحزاني وأشجاني أخرج لي سيجارة غريبة لم أر مثلها في حياتي .
    قلت : ما هذا ؟
    قال : اشربها وستنسى همومك .
    ترددت في تناولها !! لكن قلت : ما دام أنها وصلت إلي فلا بأس .. تناولتها من يده .. أشعلتها .. وضعتها في فمي .. وما هي إلا لحظات وانتابتني حالة غريبة وأنا أقف خلف مقود السيارة .. شعرت وكأنما وجهي يكاد أن يسقط بين قدمي .
    سألته متعجباً : ما الذي يحدث ؟ قال لي : اطمئن سوف تعتاد على هذا بعد مدة .
    استمر بي الحال في تعاطي الحشيش حتى تعلق به قلبي .. والمصيبة أني لم أنس همومي ..بل تنكد علي عيشي ، وزادت همومي هماً آخر بسبب الإدمان .
    وفي إحدى الليالي .. كنت أسير بسيارتي في أحد الطرق السريعة ، وسيجارة الحشيش تتوهج بين أصابعي .. لم أكن لأبالي بروحي فضلاً عن أرواح الأبرياء الذين يمشون بسياراتهم من حولي في سكينة واطمئنان .
    لم أفق من غيبوبتي إلا وأنا أمام نقطة من نقاط التفتيش .. ارتبكت .. حاولت التخلص من الموقف .. ولكن سرعان ما تم القبض علي .
    كانت تلك اللحظات بمثابة صفعة قوية على وجهي .. تذكّرت حينها تلك الأيام التي كنت فيها شاباً فاضلاً مستقيماً .. تأملت ما وصل بي الحال إليه وشتان بين الحالين .
    كم كنت مخدوعاً بأصدقاء سوء كنت أعدهم من أوفى الأصدقاء .. فما إن قبض علي حتى تولوا عني ، وكنت نسياً منسياً .
    لكن كما قيل :
    جزى اللهُ المصائب كل خيـرٍ *** عرفتُ بـها عدوّي من صديقي
    تذكرت أبي .. أمي .. إخوتي .. خالي الذي مضيت معه أياماً مشرقة في الاستقامة .. عاهدت الله على أن أعود إليهم كما كانوا يعرفونني في الماضي .
    وأقول أيها الكرام : هكذا تكون عاقبة الرفقة السيئة .. إنها صورة تتكرر كثيراً في سجل الحياة ، فالإنسان اجتماعي بطبعه ، وهو ابن بيئته . كما قيل :
    عـن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فـــكـل قـــريــن بـالــمقـــارن يـقــتــدي
    إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم *** ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
    وأصدق من هذا قول المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم : ((المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل )) .
    فقل لي من تصاحب أقل لك من أنت .

    Admin
    Admin

    المساهمات : 18
    تاريخ التسجيل : 08/10/2009

    رد: قصص مجمني مخدرات

    مُساهمة  Admin في الخميس أكتوبر 08, 2009 9:18 am

    القصة الرابعة
    الاب العاق
    أغترف لكم من سجل الذكريات الحافل بالمآسي والمسرات ، والمضحكات المبكيات قصةً حوتـها أروقة مستشفى الأمل بالرياض قبل سنوات حيث كنت في زيارة للمستشفى .
    وحقيقةً ، لم يدر في خلدي أن يقع مثل هذا اللقاء المثير ، وصدق الله {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} فإلى ذلك اللقاء .
    إنه لقاءٌ حار في إحدى استراحات المستشفى مع بعض الشباب الذين يتلقون العلاج .. مستدبرين وراءهم أياماً موحشة في ظلمات الإدمان .. مستقبلين أمامهم صفحة بيضاء مشرقة من الإنابة والرجوع إلى جادة الصواب .
    لقاءٌ مفتوح لا تنقصه الصراحة .. وحوارٌ كما يقال ( على المكشوف ) .. وشبابٌ تشع وجوههم حماساً وعاطفةً وندماً .
    في خضم هذه المشاعر أخذ الشباب يتذكرون بكل مرارة وأسى تلك الشــرارة التي أوقــدت نار الإدمــــــان في القلـــوب ، وزجت بـها عبر بوابة السعادة الزائفة إلى دهاليز الموت .
    تحدث الشباب - وكلٌ يشكو ليلاه - عن أسباب متعددة دفعتهم إلى سلوك هذا الطريق .


    فشابٌ يقول : كنت ذا خلق سوي وسمعة طيبة .. لكن رفقة سيئة كانت سبباً في وقوعي في بحيرة الإدمان .. ولولا لطف الله ورحمته لغرقت .

    وآخر يقول : سافرت من هذا البلد المبارك عبر بوابة المطار إلى إحدى الدول الأجنبية المعروفة بالفساد .. قضيت بـها أياماً عديدة بحثاً عن السعادة الموهومة في الشهوات والمحرمات .. لم أكن أعلم أن السعادة شيء واللذة شيء آخر .
    نعم ، لقد عدت إلى بلادي .. لكن العودة كانت ولأول مرة عبر بوابة جديدة .. اسمها بوابة الإدمان .


    وآخر يقول : التقليد وحب الاستطلاع .. وآخر يقول : نزغة شيطان !!! .
    أسباب مثيرة يطول لها عجب ذوي الألباب .. لكن كان هناك أمر هو أعجب مما ذكر ، فما هو يا ترى ؟


    لقد تحدث الشباب ، وأباحوا بما تكن صدورهم عن أسباب دخولهم هذا العالم ، إلا شاباً يبلغ من العمر قرابة السبعة عشر خريفاً ، بقي مستمعاً دون أن يتفوه بكلمة واحدة .
    كنت أظن أن هذا الشاب ينتظر أن يفتح له الباب ليتحدث عن نفسه ، فبادرت بسؤاله : وأنت ما قصتك؟ ما سبب إدمانك؟ .
    تحفزت لسماع قصته أملاً في اكتمال عقد اللقاء بهذه القصة ، لكن سرعان ما خاب أملي عندما نظرت إليه ومشاعر الحرج والارتباك تبدو على صفحات وجهه ولسان حاله يقول : ليتك لم تسأل؟ !!!! .
    على كل حال ، كان لقاء مفيداً هادفاً ، تخللته باقة من المشاعر الأخوية ، وشذرات من النصائح التوجيهية .


    وبالوداع والسلام ، انفض لقاء الإخاء والوئام .. عدتُ أدراجي لأغادر المستشفى من حيث أتيت ، وإذ بالشاب يستوقفني في أحد ممرات المستشفى .

    بدأ الشاب بالاعتذار عن عـــــــدم إجابته علـى سؤالي أمـــــام الشباب فسارعت في إجابته بأن الأمر عادي فقد يشعر الإنسان بالحرج وهو يتحدث عما اقترفت يداه في الماضي .. بشّرته بأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وأن التوبة تجب ما قبلها .
    وقبل أن أستطرد في محاضرة عن التوبة قال الشاب : لكن هذا الأمر في الحقيقة لم يكن هو الذي يمنعني من الإجابة كبقية الشباب فكلهم يعلم أنني أتعاطى الهيروين المخدر .. لكني لا أحب أن أفصح عن سبب وقوعي في الإدمان ، لأنني كلما تذكرت ذلك السبب شعرت بألم وحــزن شـــديد لا يعلمه إلا الله .. ومع هذا سأحدثك عن نفسي :
    عشتُ أيام طفولتي بكل حنان وبراءة بين والديّ وإخوتي ، حتى بلغت سن الخامسة عشرة وكنت وقتها أدرس في المرحلة المتوسطة .
    وفي يوم من الأيام دخلت غرفة والدي ، فوجدته على غير الحال الذي كنت أراه فيها .
    كان بيده مسحوق يضعه على ورقة قصدير ويقوم باستنشاقه ، ثم يقوم بحركات غريبة لم تقع عيني على مثلها .
    لم أكن أعلم حقيقة ما يجري .. إذ لم أرَ هذا المسحوق الساحق في حياتي .. بل لم أكن أعلم عن المخدرات شيئاً .. وقبل هذا كله وفوق كل اعتبار فأنا أريد أن أكون رجلاً مثل أبي في كل شيء .. لأنه ( كما أظن ) أبي .
    تقدمت إليه .. وبدافع بريء من حب الاستطلاع والتقليد طلبت منه أن أشاركه ، لكنه انتهرني وطردني من الغرفة بعد أن هددني بالضرب .. خرجت من الغرفة لكن هذا المشهد لم يفارق مخيلتي أبداً .
    مرت الأيام .. دخلت على أبي مرة أخرى ، وهو على حال شبيهة بالحال التي رأيته فيها في المرة الأولى .
    ومن جديد .. ثارت في نفسي شهوة التقليد .. حتى طغت على ما تقدم من التهديد .
    لم أفقد الأمل .. كررت طلبي من والدي أن يشركني معه .. ووسط إلحاح مستمر وإصرار شديد قدم إلي شيئــاً من المسحـــوق .. لكنه اشترط علي - لأنه بالطبع والدي المشفق الحريص على مصلحتي - أن لا أقوم بتعاطيه ........ .
    وليته توقف عند هذه الكلمة فتهون المصيبة .. لكنه - ويا للأسف - اشترط علي ألا أقوم بتعاطيه أمامه بل في الغرفة الأخرى !!!
    ذهبت إلى الغرفة الأخرى .. استنشقت المسحوق .. أصبت بصدمة كبيرة حتى ضاقت عليّ نفسي ، ودخلت من حينها عالم الوهم والإدمان .
    ولم أزل في دوامة الإدمان حتى فشا أمري إلى أحد أفراد الأسرة الغيورين .. حضر إلي ، وقام جزاه الله عني خيراً بنصحي وإرشادي .. ثم عرض علي العلاج بمستشفى الأمل واتصل بالمسئولين فهبوا لإنقاذي من الهاوية التي وقعت فيها .
    هاأنذا أتنفس الصعداء بعد أيام عصيبة عشت فيها صراعاً مريراً كان المجرم فيه نفسي الأمارة بالسوء ، وكانت الضحية فيه أنا . ولقد كادت الأولى ( نفسي ) أن تقضي على الأخرى ( أنا ) لولا لطف الله تعالى .
    إنني أداري نفسي .. فلعلها تسلو بيومي عن أمسي .. لكن بقي من الأمس ما لا يمكن أن أنساه أبداً .. وهو : أن أكـــون أنا الضحية ، والجاني هو أبي ؟!!! .
    إنه جرح غائر في القلب .. فأنى لجرح القلب أن يلتئم .
    وظلم ذوي القربـى أشدّ مضاضةً على النفس من وقع الحسام المهنّد

    Admin
    Admin

    المساهمات : 18
    تاريخ التسجيل : 08/10/2009

    رد: قصص مجمني مخدرات

    مُساهمة  Admin في الخميس أكتوبر 08, 2009 9:19 am

    القصة الخامسة
    توبة من وراء القضبان
    في عالم السجون .. دموع وشجون ..
    بين نادم محزون .. وخاسر مغبون .


    من أحد العنابر في إصلاحية الحائر بمدينة الرياض عاصمة بلاد الحرمين – حرسها الله – أنقل لكم مشاهد هذه القصة ، حيث يقضي بطل قصتنا أيامه وراء القضبان .
    والعجيب ، أن هذه الإصلاحية لها من اسمها ( الحائر ) معانٍ صادقة .. تتجسد في فئام من البشر لم تزل حائرة على الطريق ، زائغة عن الصراط المستقيم ، إلا من هدى الله .. وكم في ( الحائر ) من حائر .
    إنه شاب من شبابنا .. كتب لي بـخط يده ودموع عينيه قصة حياته المؤلمة ، وطلب مني أن أعيد كتابتها ، فلم أجد بداً من أن ألبي طلبه ، وأروي قصته ، مستعيناً بالله تعالى ، راجياً أن ينفع بـها من وقف عليها ، فــإلـــى الـقـــصـــة :
    يقول هذا الشاب : بدأتُ حياتي منذ نعومة أظفاري في أسرة عمادها الطهر والفضيلة .
    لا أنسى أيام الطفولة الجميلة يوم أن دخلت المدرسة الابتدائية .. كنت لا أرضى بأي تقدير دون الامتياز .. وبالفعل كان التفوق والامتياز حليفي حتى وصلت إلى المرحلة المتوسطة حيث تغير مجرى حياتي .
    في السنة الأولى من المرحلة المتوسطة التقيت بمجموعة من الشباب المنحرفين .. كنت أعلم أن والدي لم يكن ليرضى أن أرافقهم .
    بدأت أولى خطوات الشيطان بالالتقاء مع رفاقي دون علم والدي .
    مضت الأيام وخطواتي الشيطانية تمتد مع كل أسف يوماً بعد يوم .. وسرعان ما أوصلتني الخطوات الطويلة إلى بلاد العهر والرذيلة، حيث وقعت في السفر إلى تلك البلاد مع رفقة السوء .
    لم أكن أملك في ذلك الوقت إلا القليـــل من النقــــود .. ومع تكاليف السفر ، وإنفاقي على الشهوات كان لا بد لي من مصدر أحصل منه على المزيد من المال ، فكانت الخطوة الشيطانية الرذيلة باشتراكي مع بعض رفاقي في السرقة طمعاً في الحصول على المال .
    وبعد أيام من تعلّم السرقة ، وممارسة النصب والاحتيال أصبحت أمهر العصابة في جمع المال فصرت زعيماً لهم ، أتحكم فيهم كيف أشاء .
    ومع توفر المال استقبلت حياة الوهم الجديدة .
    أتنقل بين أفخر الشقق المفروشة .. وأتناول أفخر الأطعمة .
    كنت أظنُّ أن المال هو طريقي إلى السعادة .. فكل شيء يمكن الحصول عليه بالمال .
    مضت الأيام وأنا ألهث بحثاً عن السعادة ، ولكن دون جدوى .. فقد كنت كالذي يشرب من ماء البحر ، لا يزداد بالشرب إلا عطشاً .
    ولما لم أجد ضالتي في حيــــاتي البائسة ، توجّهـت إلى عالــم آخر أبحث فيه عن السعادة ، حيث المخدرات ، ومعاقرة النساء العاهرات .
    بلغ إنفاقي اليومي قرابة الخمسة آلاف ريال بسبب إدماني على المخدرات ووقوعي في علاقات مع بعض النساء .. ومع هذا كله لم أكن أشعر بالسعادة إلا لحظات قليلة ، ثم يتحول يومي بعدها إلى هموم وأحزان .
    لقد غرقت في بحور الشهوات .. وتهت في دهاليز الظلمات .. نكد في العيش .. وظلمة في القلب .. وضيق في الصدر .. كل ذلك بسبب إعراضي عن ذكر ربي .
    { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } [طه : 124] .
    ولم أزل أمارس جريمة السرقة حتى شاء الله تعالى أن يقبض علي متلبساً بالسرقة مع بعض رفاق السوء .. وما هي إلا لحظات وأنا حبيس وراء القضبان .
    في ظلمة السجن .. استيقظت من غفلتي ، وكأن صورة والدي الحبيب أمامي ، وإذا بنصائحه المشفقــة وكأني أسمعهـــــا لأول مرة .. شعرت وكأنما نداء الرحمة في أعماق قلبي .. يناديني :
    ألا تستحيي من الله ؟ .. ألا تتوب إلى الله ؟ .

    بلى .. أريد أن أتوب .. لكن الأمر لم يكن سهلاً .. صراع مرير بين نفسي التي تعلقت بالشهوات ، وبين نداء الإيمان في قلبي .. وبينما أنا بين أمواج الصراع إذ بالقاصمة تنزل على ظهري .. ففي أحد الأيام اتصلت بأهلي لأطمئن عليهم ، فإذا بالخبر المؤلم : أحسن الله عزاءك .
    من الفقيد ؟
    إنه والدي الحبيب .
    بكيتُ بكاءً مراً ، وحزنت حزناً شديداً على هذا الأب الرحيم ، الذي طالما بكى وبكى بسبب إجرامي وانحرافي .


    كانت هذه الأحداث المؤلمة بداية حقيقية للاستقامة والإنابة إلى الله تعالى .
    لقد أقلعت عن الذنوب والعصيان .. وأقبلت على الصلاة والقرآن .


    وأخيراً .. وبعد سنوات من الألم والمعاناة .. وجدت السعادة .. أتدرون أين ؟
    لقد وجدتُها متمثلة في هذا البيت :
    ولستُ أر السعادة جمع مالٍ *** ولكن التقي هو السعيد


    إنني أحدثكم الآن بين جدران السجن ، وأنا أشعر ولله الحمد براحة نفسية لم أذقها في حياتي .. اعتكفت بمسجد السجن ثلاثة أشهر حفظت خلالها خمسة أجزاء .
    أصبح حفظ القرآن سهلاً بسبب إقلاعي عن الذنوب .. ثم منّ الله علي فأصبحت إماماً للمصلين بمسجد السجن .
    صدقوني .. لم أعد أفكر في موعد انتهاء المدة ، وخروجي من السجن .
    ولماذا أفكر ؟وقد كنت قبل دخولي السجن حبيساً عن ربي .. أسيراً لهواي .. سجيناً بين جدران شهوتي .. أما الآن فقد أطلق الإيمان سراحي ، وأعاد لي حريتي .
    صدقوني .. إنني الآن حر طليق ، وراء القضبان .. إنني راضٍ عن ربي وأسأله أن يرضى عني ، وأن يكفر عني ما سلف في أيامي الخالية ، وأن يثبتني على دينه حتى ألقاه ، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء سبتمبر 20, 2017 10:14 am